الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

317

نفحات القرآن

والمراد من « الإنسان » في هذه الآية هو نفس ذلك الإنسان الذي جاء الحديث عنه في بداية سورة الدهر ، ذلك الإنسان الذي انكر القيامة ، وكان يظن بانّ اللَّه لا يقدر على جمع العظام الرميم واحيائها مرةً أخرى ، والفرق هنا - كما ورد في تفسير « الميزان » - عدم استخدام الضمير واستبداله بالاسم الظاهر ( كلمة الإنسان ) ، وهذا في الواقع هو من أحد أشكال اللوم والتحقير وكأنّه قال : كيف لمن حصل على مقام الإنسانية أن يسلك هذا الطريق الخاطيء « 1 » . أمّا استعمال صيغة المضارع في ( يُريدُ - يفجُرَ ) التي تستعمل عادة للدلالة على الاستمرارية ، فقد جاء هنا للدلالة على هذه الحقيقة وهي أنّ الإنسان انانيٌّ ويحبّ الذات على الدوام ويريد الاستمرار على المضيّ في فجوره . و « فجور » : من مادة « فجر » بمعنى تمزُّق الشيء بشدّة ، وبما أنّ الذنب يسبب خرق حُجب التديّن لذا استخدمت هذه الكلمة في هذا المورد « 2 » . وأمّا كلمة « أمام » ( على وزن مقام ) فهي في الأصل بمعنى الجهة الإمامية وهي تقابل « الخلف » وبتعبير آخر إنّ « أمام » بمعنى ما يقابل وجه الإنسان ، وبما أنّ الجهة المقابلة لوجه الإنسان ذات أهميّة بالغة بالنسبة له ، لذا استخدمت هذه الكلمة هنا ( لأنّ مادة « أمّ » بمعنى « قصدَ » ) . لكنّه من الواضح أنّ استخدام هذا التعبير هنا هو من أجل الدلالة على مستقبل العمر ، وهي ظرف مكان - على حدّ تعبير بعض المفسرين - وقد استخدمت للدلالة على ظرف الزمان من باب الكناية « 3 » ، والمراد هنا في الحقيقة هو أنّ الإنسان المتصف ذاتاً بحبّ الذات ، يتّخذ من إنكار المعاد ذريعة لكسب الحرية في ارتكاب الذنوب خلال فترة حياته . أمّا ما احتمله البعض أنّ « أمام » للدلالة على القيامة فإنّه بعيد جدّاً ؛ وذلك لأنّها لا تتلاءم مع مادة الفجور ، بالإضافة إلى أنّ هذا المعنى يقطع صلة الترابط الموجود بين الآيات .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 20 ، ص 190 . ( 2 ) مفردات الراغب مادة ( فجر ) . ( 3 ) تفسير روح البيان ، ج 10 ، ص 245 ، وقد أخذ أيضاً بهذا المعنى صاحب الميزان ، ج 20 ، ص 190 .